ابن خاقان

936

قلائد العقيان ومحاسن الأعيان

خلق الوقت ، من إقامة وغد ، وتسويغه « 1 » كلّ نعيم رغد ، وتغليب حجّة داحضة ، وانهاض « 2 » عثرة غير ناهضة ، فتقلّد وزارته ، ودولته تزهى منه بأندى من الوسمي المبتكر ، وأهدى من النّجم في اللّيل المعتكر ، وألويته تميس به زهوا ميس الفتاة ، ورعيّته تبتهج بملكه ابتهاج حيّ جابر « 3 » بعهد البوباة ، ومذاهبه يبسطها الفضل وينشرها ، وكتائبه لا يكاد العدوّ يعشرها ، فجاش إليه وانبرى ، وراش في تنكيلهم وبرى ، وأقطعهم ما شاء من مقابحته ، وأسمعهم ما يصمّ بين ختمه ومفاتحته / فوغرت صدورهم السّليمة ، واعتلّت صحّة ضمائرهم بنفوسهم الأليمة ، ولم يزل يأخذ في الإضرار بهم ولا يدع ، ويعلن به ويصدع ، حتّى تفرّق ذلك الجمع ، وألقاه بين بصر الشّتات « 4 » والسّمع ، وأفرد الدّولة من ولاتها ، وجرّدها من حماتها ، فاستعجل العدوّ بذلك واستشرى ، وزأر منه على سرقسطة ليث شرى ، ولمّا رأى الشرّ قد ثار قتامه ، وبدا من ليله اعتامه ، ارتحل واحتمل ، وقال : « لا ناقة لي فيها ولا جمل » « 5 » ، وأقام ببلنسية يشفي نفسه ، ويستوفي أنسه ، ونجوم سعدها « 6 » كلّ يوم غائرة ، والعدوّ يتربّص بها أسوأ دائرة ، ويروم منازلتها ثمّ يدع الاقتحام ، ويريد التقدّم إليها فيؤثر الإحجام ، تهيّبا لذلك

--> ( 1 ) ر : ولتشويفه . ( 2 ) ر : وانهاض عبرة ناهضة . ( 3 ) يوردها معجم البلدان باسم : رحى جابر . وهي منسوبة إلى رجل اسمه جابر . والبوباة : الفلاة وهي الموماة . وقال أبو حنيفة : البوباة عقبة كئود على طريق من أنجد من حاجّ اليمن ، وأصل البوباة والموماة : المتّسع من الأرض . ( 4 ) س : السباب . وفي ط : الشماتة . ( 5 ) يضرب عند التبرّي من الظلم والإساءة . قال الراعي : وما هجرتك حتى قلت معلنة * لا ناقة لي في هذا ولا جمل ( مجمع الأمثال : 2 / 220 ) . ( 6 ) ر : سعده .